محمد حسين الذهبي
456
التفسير والمفسرون
ثم لا ينتهى الزمخشري من تطبيقه لهذا المبدأ حتى يتساءل عن السبب الذي من أجله لم يكن القرآن كله محكما ، وعن السر الذي من أجله جعل اللّه في القرآن آيات محتملات متشابهات ؟ . ولكن الزمخشري يجيب بنفسه على ما تساءل عنه فيقول : ( لو كان كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه ، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى الفحص والتأمل من النظر والاستدلال ، ولو فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي لا يتوصل إلى معرفة اللّه وتوحيده إلا به ، ولما في المتشابه من الابتلاء والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه ، ولما في تقادح العلماء وإتعابهم القرائح في استخراج معانيه ورده إلى المحكم من الفوائد الجليلة ، والعلوم الجمة ، ونيلى الدرجات عند اللّه ، ولأن المؤمن المعتقد أن لا مناقضة في كلام اللّه ولا اختلاف ، وإذا رأى فيه ما يتناقض في ظاهره ، وأهمه طلب ما يوفق بينه ويجريه على سنن واحد ، ففكر وراجع نفسه وغيره ، ففتح اللّه عليه ، وتبين مطابقة المتشابه المحكم ، ازداد طمأنينة إلى معتقده وقوة في إيقانه ) ا ه « 1 » . وهذا الجواب في منتهى القوة والسداد ، وابن المنير السنى يمر على كل هذا الكلام فلا يرى فيه أدنى ناحية من نواحي الاعتزال ، لكنه يغضب على الزمخشري فقط من أجل أنه عد قوله تعالى « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » من قبيل المتشابه الذي يجب حمله على آية الأنعام « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ » فيقول معقبا عليه : قال محمود « المحكمات التي أحكمت عباراتها إلخ » قال أحمد : هذا كما قدمته عنه من تكلفه لتنزيل الآي على وفق ما يعتقده ، وأعوذ باللّه من جعل القرآن تبعا للرأي ، وذلك أن معتقده إحالة رؤية اللّه تعالى ، بناء على زعم القدرية من أن الرؤية تستلزم الجسمية والجهة ، فإذا ورد عليهم النص القاطع الدال على وقوع الرؤية كقوله « إلى ربها ناظرة » مالوا إلى جعله من المتشابه حتى يردوه بزعمهم إلى الآية التي يدعون
--> ( 1 ) الكشاف ج 1 ص 294